فخر الدين الرازي
65
القضاء والقدر
بل لأن القادر المختار ، خلق في العبد ما يوجب حصول ذلك الفعل وهو مجموع القدرة مع الداعي . فالمؤثر في وجوب ذلك الفعل : هو هذا المعنى . أما تعلق علم اللّه فهو يكشف عن حصول هذا الوجوب . لا أنه هو الموجب . وأما السؤال الرابع : وهو قوله : « ولو كان الأمر كما قلتم ، لكان أمر الكافر بالإيمان : أمرا بتجهيل اللّه تعالى وبتكذيبه » قلنا : إن عنيتم به : إن أمر الكافر بالإيمان ، لا يتأتى إلا مع تجهيل اللّه ومع تكذيبه . فهذا ممنوع . وإن عنيتم أن حصول المأمور به ، لا يمكن إلا مع تجهيل اللّه وتكذيبه . فهذا هو الذي قلنا . وزعمنا : أن هذا الأمر في الحقيقة : أمر بالمحال ، الذي لا يمكن إيقاعه . وأما السؤال الخامس : وهو قوله : « الإيمان في نفسه من الجائزات فلو صار محالا بسبب العلم : يكون الشيء الواحد : ممكنا محالا » فجوابه : إنه لا امتناع في كون الشيء الواحد : جائزا لذاته ، ممتنعا لسبب منفصل . ألا ترى أن الممكن : ممكن لذاته ، واجب عند حضور علة وجوده ، ممتنع عند عدم سبب وجوده . فكذا هاهنا . وأما بقية الوجوه : فهي شبهات يذكرونها في أن الأمر بالمحال ، لا يجوز . لكنا بينا : أن هذا المعنى واقع . لأنه يخلق الدواعي إلى الكفر في حق الكافر ، ثم يأمره بالإيمان . وما ذاك إلا تكليف ما لا يطاق . وأما الوجوه السمعية التي عولوا عليها : فهي قابلة للتأويل . وما ذكرناه من الدلائل لا يقبل التأويل . فكان الترجيح من جانبنا . قلنا : جوابهم الأول . وهو قولهم : « خطأ قول من يقول : إن وقوع ما علم اللّه أنه لا يقع : يدل على انقلاب علم اللّه جهلا ، وخطأ قول من يقول : إنه لا يدل » : فضعيف . وذلك لأنهم إن أرادوا أن كلا النقيضين باطل في نفس الأمر . فهذا لا يقوله عاقل . وإن أرادوا به أن أحدهما حق ، ولكن لا ينطقون به ولا يتلفظون به فهذا مسلم . إلا أن إلزامنا غير مبني على نطقهم ، ولا على لفظهم وعبارتهم . فإنا لما بينا أنه تعالى إذا علم أنه لا يؤمن . فلو آمن ذلك الشخص . فإن على هذا التقدير ، لم يكن علمه مطابقا للمعلوم . ولا معنى للجهل إلا هذا . فثبت منه : أنه يلزم انقلاب علم اللّه جهلا . ولما كان هذا محالا ، وجب أن يكون ذلك محالا لأن المؤدي إلى المحال محال . وأما جوابهم الثاني : فضعيف أيضا : لأن قولنا : لو كان الداخل في الوجود هو إيمان « زيد » لعلم اللّه في الأزل أنه يؤمن . ولو كان الداخل عدم إيمانه ، لعلم اللّه في الأزل أنه لا يؤمن . فهذا قضية شرطية . لأن قولنا : لو كان كذا ، لكان كذا : لا شك أنه قضية شرطية . لكنا